You are currently viewing التكيف الاجتماعي التنظيمي – Organizational Socialization

التكيف الاجتماعي التنظيمي – Organizational Socialization

كيف يتأقلم الموظّفون الجُدُد في بيئة عملهم الجديدة؟ كيف يتعلّمون أدوارهم والمتوقَّع منهم؟ كيف يتعلّمون السّلوكيّات والاتّجاهات حتّى ينجحوا في المنظّمة؟ كيف يفهمون ثقافة المنظّمة وتقاليدها؟ ما هي الآليّة النّفسيّة الّتي تشرح هذه العمليّة المعقّدة؟

 

الجواب هو التّكيُّف الاجتماعيّ التّنظيميّ (organizational socialization)، الّذي يُعرَف على أنّه العمليّة الّتي ينتقل من خلالها الموظَّف الجديد من كونه غريبًا أو دخيلًا على المنظّمة إلى كونه واحدًا من أفرادها [1]، وهي عمليّة تَعلُّم وتأقلم تمكِّن الفرد من أخذ دورٍ ما في المنظّمة يتوافق مع حاجات كلٍّ من المنظّمة والفرد [2]. بشكلٍ أدقّ، هي العمليّة الّتي يستوعب من خلالها الفرد القيم، والقدرات، والسّلوكيّات المتوقَّعة، والمعارف الاجتماعيّة المهمّة لِتَولّي دورٍ ما في المنظّمة وللمشاركة كعضو فيها [3].

 

التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ (organizational socialization) هو أحد أنواع التّكيّف الاجتماعيّ المحدّدة بسياق بيئة العمل، ويُعتَبر تكيّفًا اجتماعيًّا ثانويًّا (secondary socialization)، أي أنّه يَحدُث في مرحلة الكبر، على عكس التّكيّف الاجتماعيّ الأوّليّ (rimary socializationp) الّذي يحصل في مرحلة الطّفولة [2].

 

يُعرَف التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ في الأوساط الإداريّة على أنّه عمليّة إلحاق الموظّف بالمؤسّسة (onboarding)، إلّا أنّ التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ عمليّة أشمل وأوسع، وتستمرّ لوقت أطول منه في الإلحاق الّذي يتّسم بالإجراءات الإداريّة والتّعريفيّة الّتي تنتهي بعد فترة وجيزة من الالتحاق بالمنظّمة [2]، حيث أنّ التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ يحدث أيضًا في مراحل مختلفة في حياة الموظّف، مثلًا، حينما ينتقل من منصب أو قسم لآخر. هذا يقود إلى ضرورة التّفريق بينهما، وعدم افتراض أنّ التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ ينتهي عند اكتمال خطة الموارد البشريّة لإلحاق الموظّف بالمنظّمة. يصف بعض العلماء التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ على أنّه عمليّة نفسيّة شائعة، مستمرّة، ومشكلة إلى الأبد [4].

 

ما الّذي يدفع النّاس للتّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ؟

 

 تدفع حاجتان بشريّتان أساسيّتان النّاسَ للتّكيّف الاجتماعيّ [2]: (الأولى) خفض الغموض، و(الثّانية) الحاجة للانتماء. فالنّاس مدفوعون لإزاحة الغموض وزيادة إمكانيّة التّنبّؤ عندما يتفاعلون مع الغرباء للمرّة الأولى، ففهم السّلوكيّات الملائمة والمتوقَّعة الّتي يكافأ الأفراد عليها في علاقة ما يمكن أن يساعد الفرد في الانخراط في تفاعلات اجتماعيّة ذات معنى تتخطّى الأعراف الثّقافيّة-الاجتماعيّة والآداب [2]. في سياق المنظّمات، يواجه الموظّفون الّذين أخذوا على عاتقهم دورًا جديدًا (أو بدأوا للتّوّ في المنظّمة) غموضًا عاليًا حول قدرتهم على النّجاح في الوظيفة الجديدة، وهذا ما يدفعهم للتّكيّف. والبشر أيضًا مدفوعون بشكل أساسيّ للانتماء للجماعات في محيطهم، وذلك لتبادل المصادر، والأعمال، والمعارف، والحصول على الدّعم الاجتماعيّ، والحماية ضدّ الجماعات الأخرى. يمكن ملاحظة الحاجة للانتماء في التّعلّق السّريع الّذي يخبره النّاس بجماعة ما، وعندما يمتنع النّاس عن مشاركة رأيهم رغبةً في مسايرة الجماعة، وعندما يفضّل النّاس أعضاء جماعتهم على الغرباء [2]

 

ما هي عناصر (محتوى) التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ؟

 

هنالك على الأقلّ ستّة عناصر أو محتويات أساسيّة للتّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ، وهي [5]: التّاريخ، واللّغة، والسّياسة، والنّاس، والأهداف والقيم، وكفاءة الأداء، وفيما يلي توضيحٌ لكلٍّ منها:

  1. التّاريخ: ويُقصَد به أن يَعرف الموظّف والموظّفة كيف بدأت المنظّمة، وما هي خلفيّتها التّاريخيّة، ومَن هم الشّخوص الذين لعبوا دورًا في إنشائها ونجاحها. كما يتضمّن عنصر التّاريخ الاحتفالات، والمناسبات، والأعراف، والطّقوس، والعادات التي تُستَخدَم في إيصال المعرفة الثّقافيّة. 
  2. اللّغة: وتشير إلى فهم الموظّف والموظّفة للّغة التّخصّصيّة المتعلّقة بمهنتهم، واللّغة الدّارِجة في المنظّمة، والمصطلحات الشّائعة، والاختصارات؛ إذ يساهم هذا العنصر في تسهيل عمليّة فهم الموظّف والموظّفة لدورهم، ويعزِّز من تواصلهم الفعّال مع أعضاء المنظّمة الآخرين.
  3. السّياسة: وتعني معرفة الموظّف والموظّفة للطّريقة الّتي تسير وفقها الأمور في المنظّمة، وتسمية أصحاب المعرفة والقرار والتّأثير، والقدرة على الاستفادة من ذلك في تخليص الأمور.
  4. النّاس: ويُقصَد بذلك قدرة الموظّف والموظّفة على تكوين علاقات ناجحة ومرضِيَة تساعدهم على التّعلّم والتّأقلم، وتشعِرهم بالقرب والانتماء. 
  5. الأهداف والقيم: ويُقصَد بذلك تعلّم الموظّفين والموظّفات أهداف وقيم المنظّمة، وشعورهم بأنّ أهداف المنظّمة هي أهدافهم، وقيمها هي قيمهم، وشعورهم بأنّهم قادرون على تمثيل المنظّمة. 
  6. كفاءة الأداء: يشير إلى وضوح الدّور الوظيفيّ، والإلمام بالمهام الوظيفيّة، والمقدرة على تنفيذها، وامتلاك المهارات والقدرات الكافية. 

أهمية التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ: 

 

تشير الدّراسات إلى ارتباط التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ بالعديد من المخرجات، فهو مرتبط باتّجاهات الموظّفين، مثل: رضاهم الوظيفيّ، والتزامهم التّنظيميّ، ونيّتهم الانسحاب من المنظّمة [6]. كما أنّه مرتبط بسلوك الموظّفين، مثل: أدائهم الوظيفيّ [6, 7, 8]، وانسحابهم الفعليّ من المنظّمة [6, 9]. ويرتبط أيضًا بصحّتهم وعافيتهم إذ يؤثّر تحديدًا في الضّغوط في مكان العمل [10]. هذه المخرجات ذات أهمّيّة بالغة، وتؤثّر بشكل كبير على الموظّفين والموظّفات، وكنتيجة على المنظّمة نفسها. إنّ فهم المنظّمة للآليّة النّفسيّة الّتي يعمل وفقها التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ يُمكِّنها من التّدخّل في تسهيلها وتوجيهها بالكيفيّة الّتي تخدم الموظّفين والمنظّمة. هنالك العديد من الاستراتيجيّات الّتي تؤثّر في تكيّف الموظّفين في منظّماتهم، وقد قَسَم الباحثون هذه الاستراتيجيّات إلى قسمين [2]: (1) فردية، أي يقوم بها الأفراد، مثل: الملاحظة، والسّؤال والاستعلام، وإجراء التّعديلات على وظائفهم، والاطّلاع على مصادر المعلومات المتاحة. (2منظّماتيّة، أي تقوم بها المنظّمة وتشرف عليها، مثل: البرامج التّعريفيّة، والدّورات التّدريبيّة، ورحلات العمل، والأنشطة الاجتماعيّة. يمكن للمنظّمات أن توظّف هذه الاستراتيجيّات لتحقيق مستويات تكيّف اجتماعيّ تنظيميّ عاليةٍ لموظّفيها. يجب أن يكون تصميم محتوى هذه الاستراتيجيّات ممنهجًا؛ إذ يجب أن تُراعى فيه عناصر التّكيّف الاجتماعيّ السّابق ذكرها. إنّ الاستعانة بمختصّين في علم النّفس الصّناعيّ والتّنظيميّ يضمن تصميم استراتيجيّات منهجيّة. 

 

برنامج إلحاق الموظّفين (onboarding) كاستراتيجيّة لتسهيل التّكيّف:

 

كما ذكرت سابقًا، برنامج إلحاق الموظّفين ما هو إلّا استراتيجيّة واحدة تستعين بها الكثير من المنظّمات لتسهيل تكيّف الموظّفين والموظّفات الجدد. تتفاوت هذه البرامج في جودتها ومحتواها حسب المنظّمة، فبعض المنظّمات تقتصر على تخليص الإجراءات الورقيّة والإداريّة، والبعض الآخر يطعّمها ببرنامج تعريفيّ يتضمّن أمورًا مثل أهدافِ، وقيمِ، وهيكلِ المنظّمة، ومعلوماتٍ عن الثقافة، أمّا البعض الآخر، فيخطو خطوة أكبر، ويقرن الموظّف أو الموظّفة بصديق يسهّل عمليّة تكيّفهم. يكمن التّحدّي لدى الكثير من المنظّمات في توفير برامج إلحاق استراتيجيّة ذات صلة، وتوفُّر معلومات ذات جودة، وتستهدف مخرجات محدّدةً على فترات، دون الإثقال على المنضمّين والمنضمّات. مثل هذه البرامج يتطلّب أن تُصمَّم بشكل يغطّي محتوى التّكيّف، ويراعي متغيّرات نفسيّة أخرى، مثل عدم تعريض الموظّف لثقل ذهنيّ، أو عدم إشعاره بعدم قدرتِه على النّجاح في المنظّمة لأنّه لم يستوعب المعلومات التي قُدِّمت له دفعة واحدة. يجب أن تكون برامج الإلحاق مصمَّمة لتخدم تجربة مرحِّبة ومسهِّلة لانضمام الموظّف والموظّفة، ومسانِدة لهم طوال الفترة الأولى من انضمامهم، والتي قد تصل لستّة أشهر. كما لا يجب أن تكون مركّزة فقط على الجانب المعلوماتيّ، وإنّما على الجانب الاجتماعيّ أيضًا، فمثلًا، يمكن أن تتضمّن أنشطة تسهّل من انخراط الموظّفين والموظّفات مع زملائهم وزميلاتهم في العمل، وتسهّل بناء العلاقات المهنيّة الّتي تدعم تكيّفهم في المنظّمة. 

 

 

ختامًا، تلعب الظّواهر النّفسيّة دورًا كبير في المنظّمات على اعتبار أنّها أحد السّياقات المهمّة الّتي يقضي فيها النّاس جزءًا كبيرًا من حياتهم. فهمُ هذه الظّواهر وتوظيفها يضمن تشكيل بيئات عمل صحّيّة ومحفِّزة للعمل والإبداع، وبالتّالي منظّماتٍ أقدرَ على النّموّ والنّجاح. التّكيّف الاجتماعيّ التّنظيميّ يُعتبر واحدًا من هذه الظّواهر النّفسيّة المعقّدة، وهو يفسّر عمليّة تأقلم الموظّفين والموظّفات، سواءً في بيئة المنظّمة بشكل عام، أو في دور جديد في المنظّمة. التّكيّف يرتبط بالعديد من المخرجات الّتي تؤثّر في الأفراد والمنظّمة، مثل: الرضا الوظيفيّ، والالتزام التّنظيميّ، والأداء الوظيفيّ، والصّحّة والعافية. تضع هذه المعرفة العلميّة النّفسيّة المنظّمات في موضع استباقيّ يمكِّنها من بناء وتبنّي العديد من الاستراتيجيّات الّتي تيسّر عمليّة تكيّف الموظّفين والموظّفات. 

 

 

[1] Bauer, T. N., & Erdogan, B. (2010). Organizational socialization: The effective onboarding of new employees. In S. Zedeck, H. Aguinis, W. Cascio, M. Gelfand, K. Leung, S. Parker, & J. Zhou (Eds.). APA Handbook of I/O Psychology (Vol. III, pp. 51–64). Washington, DC: APA Press.
[2] Chao, G. T. (2012). Organizational socialization: Background, basics, and a blueprint for adjustment at work. In S. W. J. Kozlowski (Ed.), The Oxford handbook of organizational psychology, Vol. 1, pp. 579–614). Oxford University Press. 
[3] Louis, M. R. (1980). Surprise and sense making: What newcomers experience in entering unfamiliar organizational settings. Administrative Science Quarterly, 25, 226–251.
[4] Van Maanen, J. & Schein, E. (1979). Toward a theory of organizational socialization. Research in Organizational Behavior, 1, 209–264.
[5] Chao, G. T., O’Leary-Kelly, A. M., Wolf, S., Klein, H. J., & Gardner, P. D. (1994). Organizational socialization: Its content and consequences. Journal of Applied psychology, 79(5), 730.
[6] Bauer, T. N., Bodner, T., Erdogan, B., Truxillo, D. M., & Tucker, J. S. (2007). Newcomer adjustment during organizational socialization: A meta-analytic review of antecedents, outcomes, and methods. Journal of Applied Psychology, 92, 707–721.
[7] Chen, G., & Klimoski, R. J. (2003). The impact of expectations on newcomer performance in teams as mediated by work characteristics, social exchanges, and empowerment. Academy of Management Journal, 46, 591–607.
[8] Molleman, E., & Van der Vegt, G. S. (2007). The performance evaluation of novices: The importance of competence in special work activity clusters. Journal of Occupational and Organizational Psychology, 80, 459–478.
[9] Allen, D. G. (2006). Do organizational socialization tactics influence newcomer embeddedness and turnover? Journal of Management, 32, 237–256.
[10] Fan, J., & Wanous, J. P. (2008). Organizational and cultural entry: A new type of orientation program for multiple boundary crossings. Journal of Applied Psychology, 93, 1390–1400.
 

Omar Albaraidi

مختص في مجال علم النفس الصناعي والتنظيمي. تتركز اهتماماته في جلب مفاهيم ونظريات علم النفس إلى ميدان العمل لتطوير ورفع كفاءة المنظمات والعاملين فيها.. إقرأ المزيد

اترك تعليقاً