لعنة علم النفس العيادي

لعنة علم النفس العيادي

  • Post author:
  • Post published:06/06/2021
  • Post comments:1 Comment
  • Reading time:عدد القراءات 1٬260

* لا تهدف هذه المقالة بأيّ شكل من الأشكال إلى التّقليل من شأن علم النّفس العياديّ أو الإساءة إلى المختصّين به، وإنّما تهدف لوصف حال تدريس علم النّفس في السّعوديّة.

لعنة علم النّفس العياديّ هي تلك الآفة الّتي دفعت كلّ أقسام علم النّفس والمنشغلين بالتّخصّص في السّعودية إلى الاهتمام بميدانٍ واحدٍ من ميادين علم النّفس لعقود طويلة على حساب كلّ ميادين علم النّفس الأخرى. المثير للسّخرية أنّ كلّ هذه الأقسام عجزت عجزًا ذريعًا عن وضع برنامج عياديٍّ أو تخريج طالب واحد مؤهَّلٍ في علم النفس العياديّ. لا عجبَ، إذ إنّ علم النّفس العياديّ يعدّ من التّخصّصات التي تحتاج لنوع من التأهيل يَصعُب توفيره في ظلّ غياب المختصّين به في هذه الأقسام. لا ريب أنّ الاهتمام بهذا الفرع من فروع علم النّفس نابع من حرصٍ وتلمّسٍ لحاجة المجتمع، ولكنّ التاريخ يظهر أنّ هذا الحرص لربّما عرقل تقدّم علم النّفس والمختصّين به، بل وأودى به إلى مرحلة لا يعرف فيها النّاسُ ولا المسؤولون من علم النّفس إلّا ميدانه العياديّ، ذاك الميدان المقيَّد بطبيعة الحال بجوانب محدّدة من الحياة. 

لا ينكر أيّ مختصّ أنّ علم النّفس العياديّ ذو أهمّيّة بالغة، ولا يمكن الاستغناء عنه، بل إنّه من الصّعب الوصول لمرحلة الاكتفاء من المختصّين فيه. هنالك حاجة، وحاجة ماسّة للمختصّين الأكفّاء، وتحديداً في تخصّصات دقيقة متعلقّةٍ بأنواع محدّدة من العلاجات النّفسيّة أو الاضطرابات النّفسيّة، غيرَ أنّ نوع التّدريب الذي يتطلّبه هذا التّخصّص يجعله من أكثر تخصّصات علم النّفس تحدّيًا من ناحية الوصول لمرحلة التّأهيل للممارسة. قد يفسِّر هذا سبب عدم وجود أعداد كافية من المؤهَّلين في علم النّفس العياديّ رغم أنّ لدى الكثير من خرّيجي برامج البكالوريوس توجّهٌ نحوه، أو بالأحرى أنّهم وُجِّهوا من خلال المناهج الدّراسيّة نحو الاهتمام به. إنّه لمن المنصف الإشارةُ إلى أنّ هذا الاهتمام لم يكن بلا جدوى، بل إنّني أعزو وجود برامج ماجستير علم النّفس العياديّ التي نتمتّع بها اليوم إلى هذا الحرص الشّديد الذي كَبُرَ وتوسّع على مدار السّنوات الماضية. ليست الفكرة هنا فيما إذا كان الاهتمام بالعياديّ قد أظهر تقدّمًا في هذا الميدان على الخصوص أم لم يُظهر، وإنّما تكمن الفكرة فيما جنته فروع علم النّفس الأخرى من هذا الاهتمام المتفرّد.

لقد نتج عن هذا التّركيز المبرَّر جزئيًّا تأخُّرٌ -على الأرجح- في كلّ ميادين علم النّفس الأخرى، فبرامج بكالوريوس علم النّفس في السعودية وضعت كلّ طاقتها نحو فكرة واحدة: لعلّ الله أن يهبنا مؤهلًا في علم النّفس العياديّ من العدم. أعداد المواد التي تركّز على علم النّفس العياديّ في أغلب البرامج تظهر تركيزًا واضحًا على هذا الميدان، وتهميشًا لتنمية مهارات أساسيّة للنّجاح الأكاديميّ والمهنيّ. هذا التّركيز ليس سيّئًا بالضّرورة، لكنّ السّيّئ أن تكون برامج علم النّفس في السّعوديّة نسخًا مكرّرة من بعضها، فيكون تركيز كلِّها على علم النّفس العياديّ. ذكرتُ أنّ هذا التّركيز جزئيًّا مبرّر لاعتبار أهمّيّة العياديّ، ولكنّه غير مبرّر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ هذه البرامج، لسنوات، تفتقد للمختصّين في العياديّ، فكيف لها أن تركّز على العياديّ إذا لم تمتلك مختصّين فيه أصلًا؟ أليس من الأولى أن يكون تركيزها على التّخصّصات التي تمتلك مختصّين فيها؟ 

في المقابل، يمكن التّأهيل في فروع علم النّفس الأخرى بسهولة نسبيًّا، إذ إنّ أغلبها يركّز على مهارات متشابهة يجب أن يمتلكها كلّ مختصّ في علم النّفس، حتّى المختصّون في العياديّ، مثل: المهارات الذّهنيّة، والتّواصليّة، والشّخصيّة، والاجتماعيّة، والتّكنولوجيّة (حسب الشّواهد التي جَمَعَتها جمعيّة علم النّفس الأمريكيّة). يمكن تدريب طلّاب البكالوريوس على هذه المهارات ليكونوا مستعدّين لأيّ تخصّص دقيق في الدّراسات العليا، بل وليكونوا مستعدّين لميدان العمل إن شاؤوا التّوجّه له بعد البكالوريوس. إنّ تمكين طلاب علم النّفس مطلب لنجاحهم ولتطوّر علم النّفس في السّعوديّة.

المهارات الّتي يحتاجها طلّاب علم النّفس للنّجاح في القرن ال ٢١ (APA):

  • الذّهنيّةالتّفكير التّحليليّ، التّفكير النّاقد (يتضمّن الإحصاء، والتّقويم، ومناهج البحث)، الإبداعيّة، إدارة المعلومات، إطلاق الأحكام واتّخاذ القرارات.
  • التّواصليّةالتّواصل اللفظيّ، التّواصل الكتابيّ.
  • الشّخصيّة: التّأقلم، النّزاهة، التّنظيم الذّاتيّ.
  • الاجتماعيّةالتّعاون، الشّموليّة الثّقافيّة والفرديّة، القيادة، الإدارة، خدمة الآخرين. 
  • التّكنولوجياالمرونة/القدرة على التّكيّف مع الأنظمة الجديدة، الإلمام بالأجهزة والبرامج.

أثناء دراسة البكالوريوس أذكر أنّنا مررنا ببرنامج تحليل البيانات (SPSS) في مادة علم النّفس التّجريبيّ، ولا أذكر من ذلك إلّا أنّه طُلب منّا الدّخول لمعمل الحاسب والضّغط على عدد من الخيارات دون فهم ماذا تعمل، أو ما الذي كنّا نقوم به أساسًا. تبيّن لي بعد سنوات أنّنا كنّا نحلّل بعض البيانات. في مكان آخر من العالم، قابلتُ عددًا من الطّلّاب أثناء دراسة الماجستير، والكثير منهم أوضحوا لي أنّ لديهم خبرة سابقة من البكالوريوس في جمع البيانات، وتحليلها، وكتابة المقالات والتّقارير العلميّة. كنت أقول في ذهني: لديّ خبرة في تطبيق مقاييسَ كثيرةٍ ظنّ عدد من المختصّين أن تعلّم تطبيقها سيمهّد لجعلي مختصًّا كبيرًا في علم النّفس العياديّ، وهذا أشبه بحلم إبليس في الجنّة. لا يبدو لي أنّ برامج بكالوريوس علم النّفس في السّعوديّة تعي أنّ المختصّ العياديّ بحاجة لمهارات أكثر من العلاج النّفسيّ وتطبيق المقاييس. إنّ المختصّ العياديّ بحاجة لمهارات متنوّعة أكثر من غيره، إذ إنّه، على الغالب، باحث وممارس في آن واحد. لا أبالغ إن قلت إنّني لا أذكر أنّني كتبت ورقة بحثيّة في البكالوريوس على الإطلاق. ربّما أقصى ما قمت به هو تلخيص فصل واحد من أحد الكتب. كيف لبرامج البكالوريوس لدينا أن تخرّج طلّابًا لا يملكون مهارات أساسيّة مثل الكتابة وتحليل البيانات؟ 

تصلني بين الفينة والأخرى رسائل من طلّاب يسألون عن المهارات التي يحتاجون تنميتها لتعزيز فرصهم الوظيفيّة، فالكثير منهم، وكنت أحدهم، لا يعلم ما يتطلّبه سوق العمل. عادة في جوابي، أشير للمهارات السّابق ذكرها، مع التّنبيه على ضرورة التّفكير في تطبيقات المعرفة التي يتلقّونها بشكل مستمرّ، وعدم أخذها على أنّها نظريّات مجرّدة لا قيمة فعليّة لها كما هو سائد في أذهان البعض. ولكنّ المشكلة أنّ الكثير من المهارات المذكورة تحتاج إلى وقت لتنميتها، وإلى إشراف وتوجيه من الأساتذة في الجامعات. فمثلًا، يمكن تطوير مهارة الكتابة لدى الطلّاب بكتابة أوراق علميّة في مختلف مواد علم النّفس تتناسبُ مع مستواهم الدّراسيّ، وتُراجَع وتُصحَّح من قبل أساتذتهم. كما يمكن تطوير مهارة التّفكير النّاقد، مثلًا، من خلال المشاريع التي تهدف إلى تطوير المهارات البحثيّة والتّقويميّة والإحصائيّة، وتوظيفها في فهم السّلوك والنّظم الاجتماعيّة. 

لا عجب في أنّ الكثير من خرّيجي برامج علم النّفس في السّعوديّة يواجهون تحدّيًا في القبول في برامج الدّراسات العليا في الخارج التي تتمتّع بدرجة عالية من التّنافسيّة، فخرّيجو برامج السّعوديّة غالبًا لا يمتلكون أيّ مقوّمات تنافسيّة. ولا عجب في أنّ الكثير من الخرّيجين لا يجدون وظائف، لأنّهم في الحقيقة لا يملكون أيّ مهارات يمكن أن توظَّف بشكل يخدم قطاعات العمل المتنوّعة والمجتمع. افتقاد طلّاب البكالوريوس لتلك المهارات يعني ببساطة عدم جاهزيّتهم لأيّ مرحلة تلي البكالوريوس. تلك المهارات هي ركائز لنجاح الطلّاب، والافتقار لها لا يقلّل فرصهم في المستقبل فحسب، بل أيضًا يُصعّب عليهم استيعاب مفاهيم علم النّفس المعقّدة، وربطها في الحياة.

زوال هذه اللّعنة يستوجب جهود كبيرة، ولعلّها تبدأ من تقليص مواد العياديّ والإرشاديّ والصّحّة النّفسيّة بشكل عام، وعدم إعطائها أيّ ميزة عن غيرها في مرحلة البكالوريوس. يجب أن تمنح برامج البكالوريوس تركيزًا شبه متساوٍ لفروع علم النّفس الأخرى. يجب أن تُكسب وتطوِّر وتعزِّز المناهج الدّراسيّة المهارات التي يحتاجها الطّلبة للنّجاح في مستقبلهم الدّراسيّ والمهنيّ. ويجب أن تمكّن هذه المناهج الطّلبة من ربط وتطبيق المعرفة النّفسيّة في ميادين الحياة. برامج البكالوريوس هي فرصة لتعريف الطّلّاب بفروع علم النّفس، وفرصة لتمكينهم وتطويرهم، وصقل مهاراتهم، وليست مرحلة مناسبة للتّركيز على ميدان واحد بعينه. إنّ التّخصّص في مجال محدّد يستدعي معارف ومهارات وجهد أكبر يتناسب أكثر مع المراحل العليا من التّعليم، وهذا هو العرف السّائد في برامج البكالوريوس في علم النّفس حول العالم. لا حرج من وجود برامج بكالوريوس تركّز بشكل أكبر على ميدان واحد، وذلك تبعًا لتّخصّصات الدّكاترة والمحاضرين في تلك البرامج، ولكنّ الحرج إذا كان تركيز كلّ البرامج في السّعوديّة على هذا الميدان. 

ختامًا، كلّما وعينا مبكرًا أنّ المختصّين في علم النّفس ليسوا بالضّرورة معالجين نفسيّين، بل إنّهم جموع متنوّعة رائعة تتمتّع بمهارات عالية في التّفكير والتّواصل، ولديها من المعرفة النّفسيّة والمهارات التّطبيقيّة ما يجعلها مختلفة تمامًا ومرغوبة جدًّا، كنّا أقدر على تطوير المختصّين والتّخصّص، وأقدر على رفع فرصنا في سوق العمل ومساهمتنا في التّحسين الاجتماعيّ. ومن هنا، أدعو الأساتذة وأصحاب الشأن في الجامعات للاطّلاع على التّوصيات التي وضعتها جمعيّة علم النّفس الأمريكيّة فيما يتعلّق بتمكن طلّاب البكالوريوس (هنا وهنا). كأيّ شيء آخر في الحياة، هنالك دائمًا حاجة للتّطوير والتّحسين فيما يتعلّق بطرق التّدريس والمناهج الدّراسيّة. 

Omar Albaraidi

متخصص في مجال علم النفس التطبيقي وتحديدًا مجاله الصناعي والتنظيمي. حاليًا يدرس الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية. تتركز اهتماماته في جلب مفاهيم ونظريات علم النفس إلى ميدان العمل لتطوير ورفع كفاءة المنظمات والعاملين فيها.. إقرأ المزيد

تعليق واحد

  1. نورة الصويان

    موضوع جدا رائع ينم عن عقلية واعية وعميقة ، وعن شخصية لديها احساس عالي بالمسؤولية..بالتوفيق لك يارب في مسيرتك الاكاديمية والمهنية

اترك تعليقاً