القياس النفسي بين الأهمية والتهميش

القياس النفسي بين الأهمية والتهميش

  • Post author:
  • Post published:02/08/2020
  • Post comments:1 Comment
  • Reading time:عدد القراءات 1٬388

أضاف علم النّفس للمعرفة البشريّة القدرةَ على قياس المفاهيم المجرّدة أو البنائيّة. هذه المفاهيم لا يمكن قياسها بالطّرق الفيزيائيّة (بالميزان أو بأدوات قياس البعد) لأنّه لا وزن ولا حجم لها؛ وإنّما يتمّ قياسها بتعريفها بدقّة تسمح لنا أن نبني مقاييس خاصّة لقياسها تسمّى بالمقاييس النّفسيّة. على الرّغم من أنّ البعض لا يستوعب أهمّيّتها، إلّا أنّها تعطي علم النّفس مصداقيّة وثقل، وتجعل مفاهيمه قابلة للقياس. فمثلًا، بدون القياس النّفسيّ لا نستطيع أن نقيس السّمات الشّخصيّة، بل يَصعُب علينا القول بأنّ هناك سمات شخصيّة ونسمّيها، لذا فإنّ ميادين علم النّفس -على اختلافها- لا تكاد تستغني عن القياس النّفسيّ، إذ أنّ تطوّرها مرتبط بالمنهج العلميّ الذي يولي أهمّيّة بالغة للتّجريب والقياس.

المقاييس النّفسيّة هي طريقنا لقياس القدرات، والمعارف، والاتّجاهات، والأعراض وغيرها. في علم النّفس الصّناعيّ والتّنظيميّ -على سبيل المثال- يحتاج المختصّ للقياس النّفسيّ لتقييم الحاجة للتّدخّلات والبرامج التي تهدف إلى رفع كفاءة وإنتاجيّة الموظّفين، ويحتاجه أيضًا عند اختيار المرشّحين للتّحقّق من مدى مناسبتهم للوظيفة. أمّا في المجال العياديّ، فتُستخدَم في التّشخيص، ومتابعة التّقدّم العلاجيّ. كما أنّها تُستخدَم بكثرة في المجالات التّعليميّة والتّربويّة. وما هذه إلّا نزر يسير من استخدامات المقاييس النّفسيّة في المجال المهنيّ.

لقد أولى علماء النّفس القياسَ النّفسيَّ اهتمامًا بالغًا، فقد عملوا على وضع نظريّات للقياس، وطوّروا طرق ونماذج إحصائيّة تساعد على بناء المقاييس النّفسيّة، والتّحقّق من ثباتها وصدقها. عمليّة بناء المقاييس النّفسيّة ليست عشوائيّة أو حتّى باليسيرة، بل إنّه ليس من المبالغ القول أنّ بناءها صعب ومعقّد، ويتطلّب معرفة، ويستغرق وقتًا وجهدًا ومالًا، وهذا بالمناسبة ما يجعل المختصّين في علم النّفس عملة نادرة يبحث عنها كلّ مَن يعي قيمتها. لقد امتاز المختصّون في العالم الغربيّ بالإنتاج الوفير للمقاييس النّفسيّة، فلا يبدو أنّ لديهم شحٌّ فيها، بل على العكس، فهي وافرة، وأهمّيّتها ليست محلّ نقاش، فقد تجاوزوا هذه المرحلة منذ قرون، وأصبح تركيزهم الآن على: كيف يحمون النّاس من سوء استخدامها؟ كيف يجعلونها أقلّ تحيّزًا؟ كيف يطوّرون نسخًا صادقة منها لمختلف الخلفيّات الثّقافيّة؟ فبالرّغم من أنّهم يتشاركون نفس اللغة، ويعيشون في نفس المنطقة نسبيًّا، إلّا أنّهم يدركون أنّ اللغة لا تشكّل إلّا جزءًا يسيرًا من الإنسان، وأنّ هنالك عوامل أخرى ثقافيّة تؤثّر على الطّريقة التي تُدرَك فيها المقاييس.

في الغرب، أو في أيّ مكان آخر، هنالك دائمًا حاجة لوضع مقاييس نفسيّة جديدة. يأخذني هذا لإحدى المحاضرات التي تحدّثتْ فيها الدّكتورة قائلة: “إنّه لمن المهمّ أن تتعلّموا كيفيّة بناء المقاييس النّفسيّة، لأنّكم في يوم ما ستعملون على مشاريع، ولن تجدوا مقاييس جاهزة لقياس المتغيّرات محلّ الاهتمام” (لاحظوا أنّها كانت تتحدّث إلى ٩٩% من الأمريكان). قلتُ في نفسي: “جميل، لأنّي لا أظنّ أن لدينا -في السّعوديّة- مقاييس أصلًا”. قصدتُ في مجال علم النّفس الصّناعيّ والتّنظيميّ تحديدًا.

أحيانًا، ما لا يُدرَك كلّه، تَركُ جلّه فضيلة

أعادني حديث هذه الفاضلة لأيّام البكالوريوس والتّدريب الميدانيّ، وكلّ تلك المقاييس الّتي مررت بها منذ بداية الدّراسة. أستطيع تلخيص ذلك بالقول بأنّ حال القياس النّفسيّ يُرثى له. مقاييس مترجمة تُستخدَم في التّدريب، والتّشخيص، واتّخاذ القرار دون التّحقّق من خصائصها السّيكومتريّة، والمؤسف أنّ بعض هذه المقاييس ربّما كان مقنّن، أو على أقلّ تقدير تُحقق من صدقه، ولكن لا أحد يعلم عنه. عند استخدامها، يبرّر الواحد منّا (العارف بحالها) قائلًا: “وش نسوي؟ ما عندنا غيرها، ونستخدمها بحذر، وشيء أحسن من لا شيء، وكلّ المختصّين يستخدمونها”. وهذا يهوّن عند مَن يظنّ أنّ تقنين المقاييس لا يختلف كثيرًا عن ترجمتها، وأنّ أعلى مراتب التّقنين يكون من خلال التّرجمة البشريّة؛ لأنّه وفي معظم الأحيان، يكون الملاذ منقذ البشريّة وناكبها في آن واحد هو ترجمة قوقل. أنا أظنّ أنّ الجيل القادم سيندهش من عدد المقاييس النّفسيّة المترجمة، وسيدعو الله في الخلوات أن يوفّق مَن عمل عليها، وأنا أدعو الله ألّا يأتي ذلك اليوم.

هذه الممارسات أخذت بالتّوسّع والانتشار على مدى سنوات طويلة، فالحاجة للمقاييس النّفسيّة فاقت الإنتاجيّة العلميّة في العالم العربيّ، والسّعوديّة على الأخصّ. وفي ظنّي أنّ هذه الممارسات ما هي إلّا تطبيع وتأكيد على أنّ استخدام المقياس غير الصّادق ليس بالأمر الجلل، وهذا بلا شكّ غير صحيح، فاستخدام هذه المقاييس قد يكون مضرًّا وعواقبه وخيمة، فضلًا عن أنّه ربّما أضفى لتراجع جهود القياس النّفسيّ، أو ترتّب عليه تجاهل وتهميش لوضعه. ما أعنيه هو أنّنا لربّما وجدنا ملاذًا مؤقّتًا صَرَفنا عن أهمّيّة تقنين المقاييس. هذه الممارسات لا تتنبّأ بمستقبل مشرق للقياس النّفسيّ، ونتيجة لعلم النّفس ككلّ، بل إنّني تشاؤمًا أخشى أنّ جيلًا جديدًا سيردّد: “إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مهتدون”.

هل هذه دعوة لعدم استخدام المقاييس غير الصّادقة أو المقنّنة على الإطلاق؟ في الحقيقة، أنا لست في محلّ يؤهّلني لقول ذلك، ولكنّي أعرف أنّ نتائج المقاييس النّفسيّة الصّادقة يُؤخَذ بها بقيود وحذر، فما بالك بغير الصّادقة منها (أعني النّتائج)؟ يجب ألّا تعمينا الحاجة للمقاييس النّفسيّة، ويجب ألّا تدفعنا لأن نتعامل مع هذه الأدوات بثقة تامّة؛ وإنّما الأخذ بها كمؤشّرات وبحذر شديد. إنّ هذه لدعوة للالتفات لحال القياس النّفسيّ، ودعوة لأن نبحث ونسأل ونتأكّد من الأدوات التي لدينا، فلا يُعقَل أنّ مختصًّا في علم النّفس لا يعلم ما إذا كان المقياس الذي يستخدمه كلّ يوم مقنّنًا أو لا، أو ما إذا قنّن وهو لا يدري. هذه مرحلة وصلنا لها، وهي مؤسفة تمامًا؛ مختصّون لا يعلمون من أدواتهم غير اسمها ومفاتيح التّصحيح.

القياس النّفسيّ بحاجة لالتفاتة وتكاتف جهود

القياس النّفسيّ بحاجة لدعم حكوميّ ومؤسّساتيّ، إذ لا ينكر أحدٌ أنّ وضع وتقنين المقاييس يتطلّب وقتًا وجهدًا، وموارد بشريّة وماليّة، بل الكثير من الموارد المالية حقيقةً، لكنّ الموارد الماليّة وحدها لا تكفي، فنحن بحاجة لمختصّين مناضلين ومهمومين بالتّخصّص، مختصّين لا ينادون فقط بتحسين القياس النّفسيّ، وإنّما يعملون من أجل تحسينه. نحن بحاجة لمختصّين لا يلقون بالمسؤوليّة على بعضهم البعض، فالممارسون يلقون بالمسؤوليّة على عاتق الأكاديميّين، والأكاديميّون في أحسن أحوالهم ينتقدون. القياس النّفسيّ ليس تمامًا مسؤوليّة الأكاديميين دون الممارسين، بل هي مسؤوليّة مشتركة. إنّ من الاعتقادات الخاطئة التي يحملها بعض المختصّين أنّ عمليّة بناء، وتطوير، ونقل المقاييس هي دائمًا من مهامّ الأكاديميّين والمنشغلين في القياس النّفسيّ، وهذا ليس بالضّرورة صحيح. تولي الكثير من برامج علم النّفس على مستوى الدّراسات العليا اهتمامًا بالقياس النّفسيّ، وتحرص إلى حدّ ما (حسب البرنامج) على تدريب المختصّين ليكونوا قادرين على إنشاء مقاييس من الصّفر. وبغض النّظر، إنّ أقلّ الإيمان في القياس النّفسيّ هو القدرة على تمييز الغث من السّمين، وهذا يبدو منطقيًّا جدًّا، لأنّ المختصّين النّفسيّين ليسوا فنيّين مدرّبين على استخدام المقاييس وحسب، وإنّما على بنائها واستخدامها وتفسيرها في آن واحد. نحن بحاجة لأن يلتفت كلّ من الأكاديميّين والممارسين وطلّاب الدّراسات العليا في مختلف تخصّصات علم النّفس، وفي القياس النّفسيّ تحديدًا، لتطوير المقاييس النّفسيّة، فكلّ ما نحتاجه هو جهد بحثيّ تراكميّ يبدأ به واحد ويكمله الآخر.

مَن يحمي النّاس؟

وأخيرًا، مَن يحمي النّاس من سوء استخدام هذه المقاييس؟ كيف نضمن أنّ نتائج المقاييس، المقنّن منها والغير مقنّن، لا يتمّ تحميلها أكثر ممّا تحتمل، وأنّه لا يُؤخَذ بها كصحف منزّلة؟ كيف نضمن أنّ من يستخدم مقياسًا ما يكون عارفًا به؟ بل كيف نضمن أنّ مقياسًا ما تمّ تقنينه بصورة صحيحة؟ ربّما حان الوقت لأن تُسَنَّ الأنظمة والتّشريعات حول استخدام المقاييس النّفسيّة، وأن تُوضَع الأدلّة الإرشاديّة، من قبل جهات معتبرة، تُحدَّد فيها أفضل الممارسات فيما يتعلق بوضع، ونقل المقاييس، واستخدامها. إنّ وضع التّشريعات لا يحمي النّاس فقط، وإنّما المختصّين والتّخصّص أيضًا، فهي موجّهة للممارسات الصّحيحة والأخلاقيّة. كما أنّ سنّ التّشريعات حول القياس النّفسيّ يجعله في غاية الأهمّيّة، ونتيجة لذلك قد يدفع بعجلة القياس النّفسيّ. أليست الأشياء المهمّة هي عادة ما يُلتَفَتُ لها وتُؤخَذ على محمل الجدّ؟

مرّة أخرى، يجب أن يكون القياس النّفسيّ همًّا مشتركًا لدى كلّ من الممارسين والأكاديميّين، وأن يكون تحسينه بالتّعاون والتّشارك، فحتّى الممارسون الذين لا يملكون تدريبًا كافيًا في القياس النّفسيّ، ما زالوا قادرين على المساهمة في الكثير من الأدوار المرتبطة بتطوير أو تقنين المقاييس (كالمساهمة في كتابتها أو ترجمتها، وتدقيقها، وجمع البيانات). نعم هنالك حاجة للدّعم، ولكن أخشى أن قول: (إنه لا يمكن -إطلاقًا- القيام بشيء دون دعم) هو تهرّب من العمل والإنتاج العلمي المعتبر.

Omar Albaraidi

متخصص في مجال علم النفس التطبيقي وتحديدًا مجاله الصناعي والتنظيمي. حاليًا يدرس الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية. تتركز اهتماماته في جلب مفاهيم ونظريات علم النفس إلى ميدان العمل لتطوير ورفع كفاءة المنظمات والعاملين فيها.. إقرأ المزيد

تعليق واحد

  1. طرح علمي جميل ورائع .. يلامس أمرًا مهما ربما أصبح همًا مُدلهمًا إذا تم التهاون باﻻتقان العلمي في الإعداد وفي تفسير وتوظيف النتائج.
    وتُوّج الطرح بما وراء سؤال: (من يحمي الناس؟)

اترك تعليقاً